أبي هلال العسكري

191

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الحمد للّه الذي كفى بالإسلام فقد ما سواه ، وجعل الحمد متّصلا بنعمته ، وقضى ألّا ينقطع المزيد من فضله ، حتى ينقطع الشكر من خلقه ، ثم إنّا كنا وعدوّنا على حالتين مختلفتين ، نرى فيهم ما يسرّنا أكثر مما يسوؤنا ، ويرون فينا ما يسوؤهم أكثر مما يسرهم . فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم ؛ ينصرنا اللّه ويخذلهم ، ويمحّصنا ويمحقهم ، حتى بلغ الكتاب بنا وبهم أجله ؛ فقطع دابر القوم الذي ظلموا والحمد للّه ربّ العالمين . وإنما حسن في موضعه ومع الغرض الذي كان لكاتبه فيه ؛ فأما إن كتب مثله في فتح يوازى ذلك الفتح في جلالة القدر وعلوّ الخطر ، وقد تطلّعت أنفس الخاصة والعامة إليه وتصرّفت فيه ظنونهم ، فيورد عليهم مثل هذا القدر من الكلام في أقبح صورة وأسمجها وأشوهها وأهجنها كان حقيقا أن يتعجّب منه . وكذلك لو كتب عن السلطان في العذل والتوبيخ وما تجب القلوب منه من التغيير والتنكير بمثل ما روى أنّ الوليد بن يزيد كتب إلى والى العراقين حين عتب عليه : إني أراك تقدّم في الطاعة رجلا وتؤخّر أخرى ، فاعتمد على أيتهما شئت ، والسلام . وبمثل ما كتب جعفر بن يحيى إلى عامل شكى : قد كثر شاكوك ، وقلّ شاكروك ؛ فإمّا عدلت ، وإما اعتزلت . ومثل هذا ما كتب به بعض الكتّاب إلى عامله على الخراج ، وقد وقع عليه تحامل على الرعيّة « 1 » : إنّ الخراج عمود الملك ، وما استغزر بمثل العدل ، ولا استنزر بمثل الجور . فهذا الكلام في غاية الجودة والوجازة ، ولكن لا يصلح من مثل صاحبه وبالإضافة إلى حاله ؛ فالإطناب بلاغة ؛ والتطويل عىّ ؛ لأن التطويل بمنزلة سلوك ما يبعد جهلا بما يقرب . والإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيد نزه يحتوى على زيادة فائدة .

--> ( 1 ) هكذا بالأصول .